غائبون وأيضاً مغيّبون

عبدالإله الفرج  2008-09-07

لا شك أن الإنخراط  في برامج وفعاليات المجتمع هو إنتماء إليه، ولعلّ هذا هو الإنتماء الحقيقي، إذ لا يكفي أن تعيش وسط مجتمع ما وأنت في حقيقة الأمرغائباً عنه، فلا تعرف أخباره ولا تشاركه أفراحه وأحزانه، وأستطيع أن أقسّم هذا الغياب إلى قسمين ، فالقسم الأول هو الغياب الاختياري، وهم أولائك الغائبون الذين لا يحبون الظهور حتى من خلف الستار، وتراهم لولا صفحات الإنترنت والمنتديات وأعمدة بعض الصحف لما كان للمجمتع في حياتهم أي وجود، وهؤلاء هو "الغائبون".

أم القسم الثاني فهو الغياب الاضطراري، وهم أولائك الذين يحبون الظهور والمشاركة، ولكن لا أحد يشجعهم على ذلك، بل البعض ربما لا يريد لهم الظهور، وبالتالي لا يريد لهم الإنتماء لهذا المجتمع من الأساس، وهؤلاء هم "المغيّبون"، وعلى الرغم من أن القسمين جديرين بالمناقشة إلا أنني هنا واختصاراً للوقت سأتناول القسم الثاني لما له من تداعيات خطيرة على المجتمع الواحد المتماسك.

شخصياً أدّعي أن هؤلاء "المغيبون" هم ضحايا اللامبالاة لدى بعض طبقات المجتمع تارة، والنفوس المريضة الأمارة بالسوء تارة أخرى، فمنطقتنا -القطيف بشكل عام- تفوض منها الطاقات العملية والكفاءات العلمية في مختلف المجالات والتخصصات، ولا تحتاج منّا إلا القليل من التشجيع وفسح المجال أمامها لتنتج وتبدع، أما سياسة "مزمار الحي لا يطرب" فهي سياسة فاشلة ومدمرة، وللأسف الشديد أن هذه السياسة متبعة عند الكثيرين، وهذا الكلام ليس محض إدعاء، فلقد سبق لي أن عشت مواقف كثيرة وفي أكثر من ساحة تؤكّد ذلك، هذا بالإضافة إلى الأخبار والقصص التي ينقلها لي بعض الأصدقاء، وهنا سأشير إلى حادثتين من باب الإشارة لا أكثر:

- الحادثة الأولى وهي أنني ذات مرة كنت مع فريقٍ للتغطيات الرياضية نقوم بتغطية نشاطين رياضيين كلٌ في منطقة، أما الذي كان في منطقتي فلقد كنّا نحن وأعمدة الإنارة سواء، لا اهتمام ولا تقدير ولا حتى "كاس ماي"، وكفاية هاتين الكلمتين لأصف بهما الوضع الذي عشناه، ناهيك عن أن البعض ينظر إلينا وكأننا دخلاء أو لصوص جئنا لنسرق الحدث الرياضي! سبحان الله. أما النشاط الآخر فكان خارج المنطقة، ولقد لقينا كل حفاوة وترحيب  إلى درجة أنهم استقبلونا خارج النادي محيين ومرحبين بنا وبكاميراتنا المتواضعة!
هنا لا أريد أن أهضم حق أحد على حساب الأخر، فأنا لا أقول أن هذه المنطقة كانت على صواب لأنها استقبلتنا بحفاوة، فلربما كانت طاقات هذه المنطقة ممن لا تطرب مزاميرهم أيضاً!

- أما الحادثة الثانية فهي في الذكرى الأخيرة لمولد الحجة (عج)، حيث أن منطقة ما استضافت حوالي عشرة رواديد من البحرين وآخرون من الأحساء والمدينة المنورة، وهذا أمرٌ جيد ولا اعتراض عليه بل أدعوا لهم بالتوفيق، ولكن أيعقل أن أهل هذه المنطقة خالية تماماً من الرواديد والفرق الإنشادية والشعراء إلى درجة أن الذكرى لم تضم حتى مزماراً واحداّ منهم! لا تعليق.

من هنا أقول أن هؤلاء هم مغيبون، قلباً وقالباً، ففي الوقت الذي لا زلنا فيه نعاني من مشكلة نسيان شخصياتنا وتذكرها فقط بعد موتها ورحيلها عنا! نجد أنفسنا في مشكلة أخرى تتفاقم كل يوم، وهي أننا نتذكر أحياء غيرنا ونتجاهل أحيائنا!


- ما هو الحل ؟
لا شك أن الاعتراف بالمشكلة و الوقوف عندها هو أوّل حلولها، ثم يأتي التخطيط السليم والإلتفاف حول هذه الشخصيات مستقبلاً وفسح المجال لها على الساحة، ولا بأس بدعوة شخصيات أخرى من خارج المنطقة، فتبادل التجارب والخبرات أمراً ضرورياً أيضاً، ولكن لا يكون ذلك على حساب شخصيات منطقتنا، فلقد شهد لها البعيد والقريب على أنها مزاميرها تطرب.

أيضاً أدعوا هذه الشخصيات لإثبات وجودها، فليست الساحة حكراً على أحد، ولا يحق لجماعة ما أن تحتكر مناسبة معينة أو مسجداً أو ساحة معينة، ولنقف معاً يداً واحدة متعاونين ومتحابين كلُ يقوم بواجبه، فأنا مقصّر لو لم أكتب هذا المقال، وأنت مقصر لو قرأته ولم تحرّك ساكناً، وهو مقصّر أيضاً لو لم يغيّر منهجه وخططه، هاهي الأيام والمناسبات قادمة وشهر رمضان على الأبواب ومناسباته كّثّر.

أخيراً .. أسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وكل عام وأنتم بخير.