كثيرة هي المشاريع التي تقوم على أسس صحيحة ووفرة مالية معقولة وجيدة، لكنها سرعان ما تهوي قبل أن يكتمل نصاب قيامها، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المحلات التجارية والمؤسسات الخدمية وحتى الأفكار الاجتماعية المحدودة في إطار جماعة معينة، فعلى الرغم من توفر معضلة الدعم المادي والتي تعتبر ركيزة أساسية لنجاح أي مشروع إلا أنها وفي ظرف سنة واحدة يصاب صدر النشاط بالخلل والضعف، وبالتالي يكون من الصعب تحقيق الهدف رغم اصرار القائمين عليه، وهذا الهدف قد يكون مادياً أو خدمياً أو على شكل نتائج تنتظرها إدارة المشروع.
الأسباب قد تكون كثيرة، لكنها في الغالب ترجع إلى سوء التخطيط وعدم فعالية التطبيق، هذا بالإضافة إلى الخلل الوظيفي في الإدارة نتيجة عدم التخصص.
- التخطيط في ستة أسئلة : يعتبر التخطيط أولى مرحلات النشاط الناجح وقوام أهدافه المستقبلية، وبعيداً عن مصطلحات علم الإدارة فإن التخطيط باختصار هو ستة أسئلة (ما – أين - متى – كم – هل - كيف) للمستقبل وبالترتيب المذكور، وعلى سبيل المثال لو أننا في ضوء مشروع معين فإننا نقول :

مع الأخذ في الحسبان مرونة هذه الأسئلة وشمولية تطبيقها، هذا بالإضافة إلى المرحلة الزمنية لهذا التخطيط، هل هو تخطيط قصير أو متوسط أو طويل المدى. وعلى الرغم أن أكثر المشاريع تقوم على طرح هذه الأسئلة الستة وربما أسئلة تخطيطية أخرى، لكن ليست هذه هي المشكلة وإنما المشكلة الحقيقة تكمن في الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة، فعندما نتحدث عن صيغة (أين) وهي صيغة المكان يجب أن نحدد الإجابة بما يتناسب وحجم إمكانياتنا المحدودة المنتجة في هذا المكان، فليس من المنطق مثلاً أن نتبني مشروعاً دولياً في حين أننا لا نمتلك مقومات العمل الدولي! وعلى الصعيد نفسه عندما نتحدث عن صيغة (كم) المادية، وهي صيغة حساسة جداً من حيث ارتباطها بصيغة (كيف) الكيفية، حيث لا يمكننا وضع ألية عمل المشروع دون توفر الوفرة المادية لتطبيقها!
انعدام مثل هذا التوازن في عملية التخطيط يؤدي إلى نتائج غير متوقعة وفي الإتجاه السلبي، ويمكن ملاحظة ذلك في كثيرٍ من مشاريعنا ومؤسساتنا، التجارية منها والإجتماعية، حتى على مستوى منتدياتنا وشبكاتنا على الإنترنت.
التطبيق : مما لا شك فيه أن انعدام التخطيط سيؤدي إلى عشوائية حقيقية في التطبيق، وستكون الأهداف مبنية على الحظ فقط، لكن حتى في ظل وجود تخطيط سليم وموازنة مدروسة قد نحصد نتائج فاشلة وغير متوقعة، والسبب يعود إلى سوء تطبيق هذه الخطط المعدة بشكل سليم، كما أن التطبيق قد يتعارض أحياناً معها، وللأسف بدل أن يتم تعديل فقرات الخطط لتتوافق ومراحل التطبيق فإنه يتم تعديل مراحل التطبيق مباشرة، وقد يكون بتصرف شخصي دون الرجوع إلى إدارة العمل المكلفة بوضع الخطط، ورغم حصد النتائج في بعض الأحيان إلا أن العشوائية ستسلك طريقها شيئاً فشيئاً وسيكون من الصعب لاحقاً تطبيق الخطط الأخيرة الأخرى. كذلك لا يجب أن يتم التطبيق على مرحلة واحدة أو مراحل غير مكتملة، كأن يتم تطبيق الخطة (أ) وجزء من الخطة (ج) دون المرور على الخطة (ب) كونها حلقة رئيسية في الخطة الكلية، وتقسيم التطبيق إلى مراحل والإلتزام بها سيساعد الإدارة على فرض رقابة أكثر على سير العمل.
- الإدارة والتخصص : الإدارة هي مركز الخطط والمحرك الرئيسي لمرحلة التطبيق، ومن دونها فإن المشروع يسير في الإتجاه العشوائي وفي طريق غامض وطويل، وقبل عقود مضت كانت إدارة أي مشروع تعتمد على مستوى معين من التعليم، يكفي أن يجيد المدير القراءة والكتابة ليدير بعد ذلك أكبر مشاريع البلد، أما اليوم فإن الشهادات الجامعية قد لا تفي بالغرض إذا لم يكن هناك تخصصاً إدارياً يتناسب ومستوى المشروع، كما أن التجربة أو الخبرة العملية قد تدير لك المشروع لكنها لا تضمن لك مستوى متقدم منه، فهي غالباً غير قادرة على التطوير أو فهم المعطيات الجديدة في الإدارة، لذلك فإن أكثر الإداريون يحرصون على قراءة المستجدات الإدارية والالتحاق بالدورات المتخصصة.
- مؤسساتنا والإطار الإداري : اعتدنا أن يكون عالم الدين على رأس الهرم الإداري في المؤسسات الدينية، وأيضاً اعتدنا أن يكون الرياضي الشغوف بقراءة مستجدات الرياضة عبر الصحف والمجلات أن يكون على رأس الهرم الإداري في النادي، وأيضاً الرجل المحترم صاحب السمعة الكريمة والأخلاق الحسنة أن يكون على رأس الهرم الإداري في جمعياتنا الخيرية، كل هذا صحيح ولا اعتراض عليه، فمن حق الطبيب المتخصص أيضاً أن يكون على رأس الهرم الإداري في مستشفاه مثلاُ كونه أكثر علماً من غيره في الشؤون الطبية ومدى احتياجات المستشفى، لكن وهنا خطين تحت كلمة (لكن) يجب الفصل بين رأس الهرم المتخصص في نشاط المؤسسة وبين الإدارة المتخصصة في إدارة المؤسسة، فإدارة المؤسسة يجب أن تكون (إدارية) أو ما يناسبها من تخصص، فالطبيب لا يفهم كثيراً في الإدارة ولا يفقه في الشؤون المالية كالمتخصص فيها، كذلك هو الحال بالنسبة إلى عالم الدين وكل رجل صالح رياضي ومحترم غير متخصص، وهذ الفصل ليس مشروطاً بإدارة مستقلة، وإنما يكون على شكل تعاون واستشارات يمكن لرأس الهرم الاعتماد عليها وبناء قراراته في ضوئها، لذلك على إدارة النشاط أن تسعى إلى تحسين مستواها عبر الوسائل المتاحة لها، ومنها :
- قراءة الكتب والدوريات الإدارية. - الإلتحاق بالدورات الإدارية والمالية المتخصصة. - استشارة ذوي الاختصاص الإداري والمالي.
كل هذه الوسائل وغيرها ستساعد الإدارة على تحسين مستواها ومعرفة آخر المستجدات الإدارية، وبالتالي ستكون عملية اتخاذ القرار مبنية على رؤية صحيحة وعلمية. العلوم الإدارية اليوم أصبحت مطلباً أساسياً لأي مشروع مهما كان نشاطه، وكما أننا نهتم بذوي الخبرة في إدارة مؤسساتنا الإجتماعية وغيرها فإن علينا أيضاً الاهتمام بمستوى التعليم والتخصص، يقول تعالى ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ .
صدق الله العلي العظيم |