يعتبر التصميم الرقمي اليوم ثورة إبداعية لا حدود لها في مجال الإخراج المرئي الثابث والمتحرك، فقبل حوالي عقد من الزمن لم يكن هناك اهتماما كبيراً بهذا الفن –على الأقل في منطقتنا- كون هناك بدائل تقليدية تستخدم في مجال الإعلانات وأغلفة الكتب والمجلات، كفن الخط العربي والرسم وغير ذلك، ولكن وفي ظل الاهتمام باقتناء أجهزة الحاسوب وانتشار برامج التصميم الرقمي والرسوميات ظهرت هناك وسائل أخرى بديلة تحل محل الوسائل التقليدية، فهي أسرع وأتقن وأجمل في كثير من الأحيان، وبدأ الاهتمام بهذه الوسائل كنوع من الترفيه لا أكثر، لكن هذا الاهتمام سرعان ما تحوّل إلى احتراف ومنافسة جميلة بين المصممين احتضنتها المنتديات على شبكة الإنترنت، أما اليوم فإن التصميم الرقمي أصبح حرفة لطلب الرزق، ولعل شركات الدعاية والإعلان دليلاً على ذلك. وعلى الرغم من كثرة برامج التصميم والرسوميات التي تستخدم في التصميم الرقمي وإخراج الصور الرقمية إلا أن هناك برنامجاً واحد كان له دوراً كبيراً جداً في هذا المجال، هذا البرنامج هو "الفوتوشوب" “Photoshop” وهنا أود أن أعطي نبذة بسيطة عن هذا البرنامج :
- نبذة مختصرة عن الفوتوشوب : Photoshop كلمة واحدة لكن أصلها كلمتين Photo وتعني صورة و Shop وتعني متجر، وككلمة واحدة حرفياً تعني متجر الصور أو ورشة عمل الصور، وبدأت قصة هذا البرنامج العملاق في الولايات المتحدة الأمريكية مع البروفيسور "غلن كنول" الذي كان شغوفاً بفن التصوير، وكان يقضي ساعات طويلة في غرفته الخاصة أسفل المنزل ويقوم بتحميض الصور التي التقطها بنفسه، كما أنه كان شغوفاً بالتكنلوجيا وآخر ما توصلت له الحواسيب الشخصية، ومن هنا تأثر ولداه "توماس كنول" و"جون كنول" بوالدهما وبهذه الغرفة المظلمة المخصصة للتحميض، كان "توماس" مهتماً بمعالجة الصور ويبحث عن طرق حديثة في معالجتها، أما "جون" فكان مهتماً بالتكنلوجيا وبأجهزة الحاسوب. في عام 1987م اقتنى "توماس" جهازاً من نوع "أبل ماكنتوش بلس" "Apple Macintosh Plus" وبدأ بمعاجلة الصور الرقمية من خلاله وبمساعدة أخوه "جون كنول"، لكنه واجه مشكلة التدرج اللوني في الصور وهي نفس المشكلة التي لا تزال حتى الآن تطارد بعض المصممين عند استخدام الفوتوشوب في الحواسيب المتواضعة، لكن "توماس" تغلب على هذه المشكلة بكتابته معادلة خاصة ساعدته حينها في الحصول على تدرج لوني مقبول للصور، وهكذا كان هو وأخوه يتغلبان على كل مشكلة يواجهانها بكتابة معادلة تلو الأخرى، بعد ذلك بدأ الأخوان بالتفكير جدياً في إنتاج برنامجاً متكاملاً يضم كل هذه المعادلات المتناثرة، وهنا بدأت الإنطلاقة الأولى لما عرف فيما بعد باسم "الفوتوشوب" خصوصاً بعد أن تبنت شركة Adobe العملاقة فكرتهما. قصة نجاح هذين الأخوين مع برنامجهما العملاق طويلة وهي مستمرة حتى الآن، لكن من خلال هذه السطور البسيطة تتضح حقيقة مهمة جداً للمصممين وهي أن "الفوتوشوب" برنامج متخصص في معالجة الصور في الدرجة الأولى وليس كما يظن البعض أنه برنامج رسم أو تصميم رقمي، كما أن بيئة العمل في هذا البرنامج مهيئة بالكامل لمعالجة الصور Image Editing سواء من حيث شريط الأدوات أو "الفلاتر" الأساسية فيه.
- مميزات برنامج الفوتوشوب : استحق هذا البرنامج مكانته عند المهتمين ببرامج المعالجة الرقمية وفن التصوير الضوئي والإخراج الرقمي Image Editing Software نظراً لما يتميز به عن باقي البرامج الآخرى من مميزات كثيرة، والتي من بينها : - سهولة الاستخدام والتنقل بين الأدوات وطبقات الصور، فهناك مثلاُ أداة التلوين الآلي Auto Color والتي تقوم بفهم ألوان الصورة وتصحيحها مباشرة وفقط بضغطة زر واحدة. - كفاءة الأداء في معالجة وتنقيح ودمج الصور الرقمية، وهذه الميزة بالذات لا توجد في أي برنامج آخر على الاطلاق بنفس الكفاءة التي يوفرها برنامج الفوتوشوب. - الاهتمام المستمر من قبل شركة "أدوبي" بهذا البرنامج وإصدار نسخ متطورة وحديثة كل عام تقريباً، وأيضاً البرامج والتأثيرات التي تصدرها شركات أخرى على شكل إضافات في مجلد Plug-ins . هذه المميزات وغيرها جلعت هذا البرنامج ضمن المستويات الأولى عالمياً باعتراف شركة "أدوبي" نفسها التي لا تنفك تحاول أن تضيف ما هو شبه مستحيل يدوياً ليكون في غاية السهولة رقمياً.
 - التصميم الرقمي والفنون الأخرى : كما هي باقي الفنون فإن التصميم الرقمي له علاقة مباشرة ورئيسية بالفنون الأخرى، كون هناك مزيجاً حقيقياً بينه وبين الصورة الضوئية أو تلك التي رسمت بالألوان وأيضاً الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وبالتالي فإن الفصل بينه وبين هذه الفنون يفقده الكثير من جوانب الإبداع التي تميز بها، فالتصميم الرقمي هو أحد الفنون القادرة على احتواء أكثر من فن في عمل واحد، وهو ما يسمى بـ "الإخراج الرقمي" حيث يمكن للمصمم أو "المخرج" أن يجمع بين فن التصوير الضوئي وجمالية الخط العربي والزخرفة الإسلامية وأيضاً فن الرسم والشعر العربي في لوحة واحدة أو عمل إخراجي واحد، ومن هنا جاءت دعوتي قبل حوالي سنتين في عدم التشدد في مسألة الحقوق المحفوظة، لأن هذا التشدد لا يخدم مستقبل فن التصميم الرقمي، بل يجب أن تكون لدينا مرونة أكثر في التعامل مع اصداراتنا وفنوننا المتنوعة وبالذات الإسلامية منها، وفي ذات القوت يمكننا المحافظة على حقوقنا ضمن إطارها الصحيح دون أي مساس.
- ساحة التصميم الرقمي اليوم : غدت ساحة التصميم الرقمي اليوم مضيئة ومتوهجة في ظل هذا الانفتاح على العالم عبر نافذة الشبكة العنكبوتية، حيث تعرف المصممون على بعضهم البعض في المنتديات والمواقع المتخصصة في هذا الفن، وازدادت خبراتهم من خلال اطلاع كل واحد منهم على أعمال الآخر والتعرف على تجاربه عن بعد، لكنّ هذه الساحة لا تزال صغيرة مقارنة بساحة الرسم وفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، والسبب دون شك يعود أولاً وأخيراً إلى أصالة هذه الفنون وبعدها التاريخي مقارنة بفن التصميم الرقمي الذي يعد حديثاً نوعاً ما، هذا بالإضافة إلى عدم وجود هيكلة منظمة لإدارة هذا الفن أو ملتقى دوري يجمع شخصياته ومحبيه كما هو الحال في باقي الفنون. وفي السنوات الثلاث الأخيرة شهدت الساحة ولأول مرة إقامة أكثر من معرض رقمي - وهذا في حد ذاته خطوة كبيرة تحسب لصالحه دون شك – إلا أنّ هذه المعارض تفتقر إلى الجانب الإعلامي والدعم المادي والأهم من ذلك كله تشجيع المجتمع، كما أن هذا الفن عموماً يفتقر أيضاً إلى العنصر النسائي، فالمرأة لا تزال تحاكي هذا الفن على استحياء وخلف أسماء مستعارة رغم أنها قطعت مشواراً طويلاً في مجالات أخرى كالرسم على سبيل المثال والتصوير الضوئي.
- أخيراً : يبقى التصميم والإخراج الرقمي في بداية مشواره ومع ذلك وضع لمسات كثيرة في حياتنا، ويمكنك الإلتفات يميناً أو يساراً لتجد هذه اللمسات على كتاب أو صحيفة أو أي منتج آخر، وكوني محباً لهذا الفن فإنني آمل أن يلقى يوماً ما الإهتمام اللازم أولاً من محبيه وثانياً من المجتمع الذي هو أساس نجاح أو فشل كل جديد.
|