كثيراً ما كنت أسأل نفسي هذا السؤال، وكانت الإجابة عليه بالنسبة لي تحتاج إلى شجاعة وقوة عزيمة، إذ لا أريد أن أدخل في جدال مع نفسي فأصاب بعقدة الأنا، أو أتعداها فأصاب بالنرجسية، وعلى الرغم من أن الثقة بالنفس أمراً حسناً إلا أن الحذر واجب، خصوصاً في ظل المصطلحات الغريبة التي يرفعها علماء النفس وذوي الاختصاص كل يوم، اللهم لا اعتراض! نرجع لموضوعنا .. الإقناع فن جميل وموهبة ثمينة، تمكّن أصحابها من بلوغ مرادهم بيسر وسهولة، بل قد توصلهم إلى القيادة حتى لو لم يكونوا قياديين، وللأسف فإن الكثيرين لا يكتشفون هذه الطاقة، وإن اكتشفوها لا يسعون إلى تنميتها، ولعلهم ينتظرون مارد مصباح علاء الدين حتى يلبي حاجاتهم في غمضة عين،أو يقدمها لهم على طبق من ذهب!
وحتى ألطف جو هذا المقال وفي ذات الوقت أصل إلى المعنى "بدون فلسفة" أروي هذه القصة : يحكى أنّ أحد المتاجر في الولايات المتحدة الأمريكية كان متخصصاً في بيع الأدوات البحرية بكل أنواعها، وكان صاحب المتجر كبير السن ولا يقوى على متابعته بشكل يومي، فاستأجر شاباً لينوب عنه في ذلك، وأوصاه بثلاث وصايا، الأولى المحافظة على سمعة المتجر، الثانية الالتزام بوقت الافتتاح والإغلاق، أما الثالثة والأهم فيجب عليه أن يبيع في كل يوم ما لا يقل عن ألفي دولار كما كان يفعل هو، وإلا فإنه مقصر في أمرٍ ما! في نهاية اليوم الأول عاد هذا الرجل ليفاجأ بأن الشاب باع أكثر من خمسة آلاف دولار! سأله كيف فعلت ذلك؟ فأجاب أن أحد الزبائن جاء ليشتري سمكة ملونة في حوض صغير الحجم، فسألته لماذا هذه السمكة؟ فأجاب أنها هدية لزوجته بمناسبة عيد ميلادها، قلت له ولماذا تشتري سمكة قد تموت بعد يومٍ أو يومين، بينما لو اشتريت بعض أدوات الصيد وخرجت مع زوجتك للتنزه فإنها ستظل ذكرى لكما لا تنسى!
أعجبت الفكرة الرجل وطلب أدوت صيد صغيرة بدل هذه السمكة، فقلت له لماذا صغيرة! بل أنصحك بأدوات صيد كبيرة، فبدل أن تصطاد أسماكاً صغيرة اجعلها أسماكاً كبيرة فتحلوا النزهة أكثر، فأعجبته أيضاً الفكرة، فقلت له، إذا يلزمك قارب متوسط الحجم حتى تتمكن من حمل الأدوات معك دون مشقة، فقال وهو كذلك أرني القوارب التي لديكم، وبعد أن اختار القارب المناسب أخبرته بضرورة شراء بعض أدوات النجاة التي قد يحتاجها عند الضرورة، وهكذا استمريت حتى تمكنت من بيع خمسة آلاف دولار في يومي الأول.
هذا الشاب النشط لم يكذب ولم يمارس أي نوع من أنواع الاحتيال، بل على العكس اقترح الشيء المناسب والأفضل لكن بأسلوب مختلف عما يستخدمه الآخرين، وهذا هو "فن الإقناع" الصحيح، وهنا أقول "صحيح" لأن هناك آخر خاطئ! كالإلحاح المفرط مثلاً. والسؤال الذي يطرح نفسه هو "هل تملك أنت هذا الفن في إقناع الآخرين؟"طرحك للسؤال هو أوّل خطوة لكشف خفايا طاقتك المجهولة، وبعيداً عن الكتب الإدارية الفلسفية أنصحك بالتجربة فهي خير برهان، وابدأ باختيار الموضوع الذي تلم به ثم اختر العاقل من معارفك لتبدأ النقاش معه، وتذكر أن تتجنب النقاش مع الجاهل فلقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (ما ناقشت عالما إلا وغلبته، وما ناقشت جاهلا إلا وغلبني)، حيث لا زلنا في زمان المشاكس الإيطالي "غاليلو"، فمثلاً لا زال هناك من يؤمن بأن الأرض مسطحة وليست بيضاوية الشكل كما يدعي المجانين، وهناك أيضاً من يعتقد أن الكون مؤلف من مجرة واحدة لا أكثر كما يراها ذووا العقول المتجمدة، إلخ .. ، إذاً مناقشة أهل الجهل هدر للطاقة وإحباط في ذات الوقت، وبيني وبينكم زيادة أيضاً لضغط الدم والسكر. إذا الحل هو التجربة، ولكن ماذا لو اكتشفت أنك غير قادر على الإقناع؟ وماذا لو كان العكس؟ وهل هناك طريقة لتنمية هذا القدرة؟ وما هي قواعد الإقناع الفعّال؟ وكيف ومتى؟، هذه الأسئلة وغيرها سأتركها لذوي الاختصاص "والله يعينكم عليهم"، ولكن ما أردت إيصاله عبر هذه الرسالة هي أننا أحياناً نتمتع بقدرات لا علم لنا بها أو لا نقدّر أهميتها، ولربما ساعدتنا على تجاوز مشقة الحياة والعمل، وعلى غرار السؤال الذي عنونت به هذه المقالة نستطيع أن نطرح على أنفسنا أسئلة أخرى، فهل أنا قادر على القيادة أو الخطابة أو الحوار؟ وهل أنا قادر على تقبل النقد وتوظيفه لمصلحتي في بناء شخصيتي؟ وأخيراً هل أنا قادر على الإنجاز؟ أتمنى للجميع التوفيق. |