عبدالإله الفرج - www.alfaraj9.com
307805

اضغط هنا
 
انقر مرتين لرفع المحتوى حتى نهايته
انقر مرتين لإنزال المحتوى حتى نهايته
   
 
    
 
 
تعقيباً على العباد : هناك ضريبة يدفعها المثقف الواعي
 
عبدالإله الفرج - 2008/08/30 - « عدد القراءات 1001 »
 

قرأت مقالة الأستاذ "زكريا العباد" يوم الاثنين الماضي الموافق 23/4/ 2007  بعنوان "ما جدوى أن أكون مثقفاً؟" وأعجبني مضمونها الذي تطرق فيه الكاتب إلى سلبيات أن لا تكون مثقفاً، كما وأنني أتفق معه في أننا كمجتمعٍ سعودي لم نصل بعد إلى مرحلة الثقافة الحقيقية، فمع انتشار العلوم الإنسانية المختلفة، ومع هذه الثورة في مجال الاتصالات والمعلومات أصبح التخصص أمراً ملحاً وضرورياً في العلوم وفي كافة المجالات ، وهذا يدفعنا لأن نتغذى وبشكل مستمر بالمعارف الأخرى خارج إطار التخصص، وإلا فإن ثقافتنا ستكون محدودة جداً ضمن هذا الإطار، بينما خارجه ستكون هشة وضعيفة ومدعاة للسخرية أحياناً.

لكنني أيضاً أرى ضرائب كثيرة يدفع ثمنها المثقف الواعي، ولعل أهمها الرؤية الواضحة والمؤلمة في أغلب الأحيان التي ينظر بها للمجتمع، فكلما ازداد المرء ثقافةً ازداد وعياً، وكلما ازداد وعياً رجحت حكمته أكثر وتوسعت بصيرته، وهذه البصيرة تدخلك في عالمٍ آخر، وتجعلك تنظر للأمور من الأعلى وليس من زاوية واحدة ضيقة الأفق، يقول تعالى "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" ويقول أيضاً "فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" والتبصر هنا أعلى مراحل الوعي عند الإنسان، ولا يصلها إلا إذا وصل مرحلة من العقل ترقي به إلى الملاحظة والتحليل والاستنتاج.

فقد يكون المرء مهندساً في مجال الكمبيوتر مثلاً، وتراه بارعاً في المصطلحات المعربة ويبتاع لنفسه آخر التقنيات، لكنه قد يجهل أبسط قواعد الاقتصاد كالعرض والطلب! أو لم تتجاوز موسوعته الفقهية عشرين مسألة فقط! هذا المهندس في نظري فاقداً للثقافة بعيداً عن الوعي والبصيرة، لكنه في ذات الوقت يعيش حياة هانئة مطمئنة قد يحسد عليها، فهو لا يعير متغيرات عولمة الحياة الاقتصادية أو السياسية أي اهتمام لأنه في الأساس غير ملماً بها، ولا يقع في حرج الابتلاء الفقهي لأنه يعتقد أنه أبا ذر الغفاري في زمانه! كما أن الأخبار المزعجة في العالم الإسلامي والعربي والتي تتحفنا القنوات الفضائية والصحف كل يوم هي طبيعية بالنسبة إليه وسرعان ما ينساها ويتجاوز آثارها النفسية، نعم يتمنى أن تهزم إسرائيل مثلاُ، لكنه لا يهتم كثيراً لذلك ما دامت لوحة المفاتيح في بيته تعمل على ما يرام، على عكس ذلك المثقف، الذي قد يصرف الجهد والمال والنفس أحياناً في سبيل أن يطلع على المعلومة فضلاً عن تغييرها.

أيضاً من ضمن السلبيات التي تواجه المثقف الواعي هو ذلك الشعور المؤلم بأنه لا يزال جاهلاً كلما ازداد علماً ومعرفة بالشيء، فحينما يطّلع على كتب التاريخ يشعر أنه لم يكن يعرف شيء عن تاريخه وهذا مزعج في حد ذاته،  ويتساءل لماذا لم يفكر في قراءة هذه الكتب من قبل! وعندما يطلع على كتب علم النفس وما خرج به من اكتشافات وحلول نفسية وتربوية يشعر أنه كان يعيش في عالمٍ منعزل، ناهيك عن الاقتصاد الذي هو عصب الحياة اليوم، فعندما يطلع على معلومة مفادها أن علبة المشروب الغازي "البيبسي" الذي هو عبارة عن ماء وسكر فقط أغلى من البترول الذي هو مورد طبيعي ناضب، وسيأتي اليوم الذي لا بترول فيه في باطن هذه الكرة الأرضية، عندما يكتشف ذلك سيراوده شعور غريب قد لا يراود الكثيرين من أبناء هذا المجتمع.

نعم. أفضّل أن أعيش حياة مؤلمة مليئة بالوعي والمعرفة على أن أعيش حياة هانئة مليئة بالذل والجهل، لكنني في الأخير إنساناً بشرياً ذو طاقة محدودة أسعى لتحقيق أمنياتي وإرضاء شهواتي، لذلك لا ضير أحياناً في أن أستمتع بالجهل وأكون دجاجة تستحلب دون حق، لأننا في الأخير جميعاً شئنا أم أبينا دجاج في حظيرة واحدة، والحمد لله على نعمة العقل.